زحمة السير تكلّف لبنان يومياً ما يقارب 5.5 ملايين دولار Featured

14 آذار 2017
59 times

"زحمة السير" هو الجحيم الصباحي الذي أصبح أساساً يومياً في حياة كل اللبنانيين. ساعات انتظار داخل السيارات لقطع مسافات لا تتجاوز الكيلومترات القليلة، وترتفع حدّة هذا الكابوس مع كل زخّة مطر، والنتيجة واحدة، حرق اعصاب، لا مواعيد في توقيتها المحدد، خسارة إنتاجية، وكلفة يومية تقدر بالملايين.

 

كشفت إحدى الدراسات التي أجرتها مجموعة "رولان بيرجيه"، ان تكاليف أزمات السير في أكبر 30 مدينة حول العالم تتجاوز الـ 266 مليار دولار سنوياً. فالتنقل هو مفتاح ازدهار الاقتصاد، لكن النمو السكاني وازدياد حركة السير في المدن الكبيرة في العالم يؤديان ويعمقان الشلل الاقتصادي. وهذه الكلفة، تشمل كلفة إستهلاك المحروقات الاضافية في زحمة السير، وتراجع إنتاجية الافراد نتيجة حالتهم العصبية الناتجة من الحجز لساعات في سياراتهم وتأخرهم ايضاً عن القيام بواجباتهم، إضافة الى ذلك، تشمل الكلفة، الاثر البيئي والاجتماعي لهذه الازمة.
في لبنان، الكارثة أكبر بكثير، فزحمة السير، أصبحت من يوميات المواطنين. عمر هذه الزحمة سنوات طويلة وباتت مشكلة وطنية، مع استمرار غياب الحلول الاساسية ومنها وسائل النقل العام المنظّم والعصري الذي يشمل جميع الأراضي اللبنانية، مما يؤدّي إلى وثوق اللبنانيين باستخدامه والتخلّي عن استعمال سياراتهم الخاصة في تنقّلاتهم. بالفعل، ومع غياب النقل العام المنظمة، تسجل أعداد المركبات الآلية ازدياداً مطرّداً وسريعاً، وتتحوّل الطرق إلى مرائب كبيرة، مهما جرى تطويرها أو توسعتها أو استحداثها.
آخر دراسة دولية خصّصت لتداعيات أزمة السير في لبنان، اعدتها جامعة هارفرد ولويزيانا بالتعاون مع الجهات اللبنانية المتخصصة، أشارت الى ان كلفة فاتورة السير في لبنان تصل الى مليار دولار سنوياً بفعل الوقت الضائع الذي يخفف الانتاجية وحرق الطاقة وصيانة السيارات. وقد استندت هذه الدراسة الى أرقام أصدرها مجلس الانماء والاعمار وقدرت دخول ما يقارب 400 الف سيارة الى بيروت يومياً، مقارنة بوجود ما يقارب 1.6 مليون سيارة مسجلة في لبنان، تضاف اليها أعداد هائلة من السيارات والمركبات المخالفة وغير المسجلة وسيارات اللاجئين السوريين.
تعليقاً على هذا الموضوع، يعتبر عميد كلية ادارة الاعمال في "جامعة الحكمة" البروفيسور انطوان - روك مهنا ان الكلفة تتخطى المليار دولار وبخاصة اذا تمّ احتساب الكلفة غير المباشرة اي الفاتورة الصحية والتلوّث وتراجع حركة التسوّق والحركة التجارية والسياحية وهرب بعض الاستثمارات المباشرة من المناطق التي تشهد زحمة السير كبيرة، لترتفع كلفة هذه الازمة الى ما يقارب الملياري دولار سنوياً اي ما يعادل خسائر إجمالية، مباشرة وغير مباشرة، بقيمة 2 مليار دولار! كما توقّع مهنا، ان ترتفع حدّة هذه الازمة في المستقبل، نظراً الى عوامل عدة منها، استمرار ارتفاع عدد سكان لبنان، وغياب الصيانة اللازمة للطرق، والحاجة المتزايدة للمركبات نظراً الى غياب مشاريع النقل العامة المتحضرة.
وفي ما يتعلق بالحلول المطروحة لهذه الازمة، فهي تتوزع على مراحل عدة، منها ما يمكن تنفيذها على المدى القريب ومنه ما يحتاج للمدى المتوسط والبعيد ليبصر النور. ويفند مهنا هذه الحلول كالآتي:
- ضرورة تعزيز دور وزارة الدولة لشؤون التخطيط ورفع مستوى التنسيق بين الوزارة المعنية بورش البنى التحية، والمشاريع التي قد تؤدي الى ازدحام السير، لاستباق الازمة وعدم انتظار وقوعها لمواجهتها. وهذا التنسيق أيضاً يجب ان يكون مع مديريات السير والقوى الامنية، والبلديات والتنظيم المدني.
- الاسراع في تنفيذ مشروع الـ (Rapid Bus Transfer (RBT الذي يعمل على درسه البنك الدولي والذي يربط الطريق الساحلية من بيروت الى طبرجا، بخط باصات تخفف من زحمة السير وتساهم في تفعيل قطاع النقل العام، علماً انه يمكن الانتهاء من الدراسات خلال مدة أقصاها 7 اشهر بحسب ما كشفه لـ"النهار" منذ ايام المدير الاقليمي في البنك الدولي لمنطقة الشرق الاوسط فريد بلحاج. وبحسب مهنا، هذا المشروع هو جزء من الخطة الشاملة لتطوير النقل العام في لبنان، وقد تصل كلفة هذا المشروع الى نحو 100 مليون دولار، يمكن تمويله من القطاع الخاص، بعد إقرار قانون الشركة بين القطاعين العام والخاص. مع الاشارة الى ان كلفة صيانة هذه الباصات وتشغيلها متدنية، ويمكن ان يتحمّلها القطاع الخاص. وللتذكير، خصَّصت مجموعة البنك الدولي 200 مليون دولار في مطلع شباط الفائت، لتطوير شبكة الطرق في لبنان وتمويل إصلاح نحو 500 كيلومتر منها في المرحلة الأولى لخطة حكومية أوسع لتجديد قطاع الطرق المتردّي في البلاد.
- إمكان تنفيذ الدراسات التي وضعت حول اقامة اوتوستراد الجسر البحري الذي يمتد من اقصى الشمال الى اقصى الجنوب مع نقاط سياحية بحرية في طرابلس، شكا، البترون، جبيل وجونية وصولاً الى النبطية مع استراحات بحرية وتاكسي بحري. ولكن هذا المشروع، لن ينفذ في المدى القريب نظراً الى غياب التمويل اللازم. وهنا يؤكد مهنا إبداء عدد من الشركات الاقليمية اهتماماً جدياً في هذا الموضوع من خلال تمويل لفترة 10 سنوات وفق نظام الخصخصة BOT من خلال انشاء اشغال ومن ثم تحويلها الى الدولة اللبنانية، علماً ان كلفة هذا المشروع اقل من كلفة الاوتوستراد الدائري بسبب الاستملاكات العقارية.
- إستخدام سكة الحديد الموجودة حالياً لتنفيذ مشروع طريق سريعة على طول الساحل اللبناني، مع إمكان إنشاء خطة قطارات فوق الارض شبيه بالمشروع الذي نفذته إمارة دبي.
- العمل على تعديل ساعات سير الشاحنات الكبيرة، على ان تحدد معظمها خلال فترة الليل، مما يساهم في خفض الكلفة على الشركات المالكة لهذه الشاحنات نتيجة تراجع الكلفة التي تتحمّلها في زحمة السير، بالاضافة الى التخفيف من الازمة خلال ساعات النهار.
- السماح للمستثمرين والمطورين باعتبار الطبقات المخصصة لمواقف السيارات فوق مستوى الارض غير خاضعة لعامل الاستثمار، مما يحفذهم على بناء طبقات إضافية فوق الارض تخصص للسيارات. (علماً ان كلفة بناء هذه الطبقات تحت الارض أكبر بكثير من فوق الارض، مما يحفّز المطوّرين على بنائها).
باختصار، تحمّل أزمة زحمة السير الاقتصاد اللبناني خسائر يومية تقارب 5.5 ملايين دولار بالاضافة الى استنزاف أعصاب المواطنين وطاقة عديد مفارز السير في محاولة شبه مستحيلة وشاقة لتسهيل حركة المرور، بدلاً من تجنيدهم للسهر على تطبيق قانون السير بغية الحفاظ على سلامة المواطنين، على غرار ما يحصل في الدول المتقدّمة.